JISM JISM
▸ مقال

التمر وسكر الدم: ماذا تقول الأدلة فعلًا؟

آخر تحديث: ٢٠٢٦-١٠-٢٢

التمر مصدر مركّز للسكر، إذ يحتوي كل 100 جرام من لبّ المجدول على نحو 66.5 جرام من السكريات[1]، ومع ذلك جاءت الأصناف الخمسة التي قيست في دراسة محكمة ضمن الأطعمة منخفضة المؤشر الجلايسيمي، بين 46.3 و55.1 لدى البالغين الأصحاء[2]. فالسكر هنا معبّأ داخل بنية غنية بالألياف تبطئ وصوله. والخلاصة العملية أنّ تمرتين أو ثلاثًا طعام عادي لمعظم الناس، ومنهم معظم المصابين بالسكري من النوع الثاني المنضبط، وأنّ المشكلة نادرًا ما تكون في التمرة الأولى، بل في العاشرة التي تُؤكل بلا انتباه بجانب الشاي.

في هذه الصفحة

ما الذي تحتويه التمرة فعلًا

التمر فاكهة مجفّفة، والتجفيف هو ما يجعل أرقامه تبدو مفزعة. ففي كل 100 جرام من تمر المجدول نحو 277 سعرة حرارية و66.5 جرام من السكريات الكلية و6.7 جرام من الألياف، أمّا دقلة نور، وهو الصنف الأصغر والأكثر جفافًا المنتشر في مصر وبلاد الشام، فيبلغ نحو 282 سعرة و8.0 جرام من الألياف[1].

وهذه أرقام لكل 100 جرام، وليست الطريقة التي يأكل بها أحد. فالتمرة الواحدة من المجدول منزوعة النواة تزن نحو 24 جرامًا، أي ما يقارب 67 سعرة وحدها[1]، في حين أنّ تمرة دقلة نور أصغر من ذلك بكثير. وهنا يقع الخطأ في الاتجاهين معًا: التمرة الواحدة وجبة خفيفة متواضعة، والحفنة التي تُؤكل دون نظر تعادل وجبة كاملة من حيث الطاقة.

لماذا يسلك سكر التمر سلوكًا مختلفًا عن سكر المائدة

يقيس المؤشر الجلايسيمي سرعة رفع كمية ثابتة من الكربوهيدرات المتاحة في طعام ما لسكر الدم، مقارنةً بالجلوكوز النقي عند 100. وفي دراسة محكمة في جامعة الإمارات، اختُبرت خمسة أصناف شائعة هي الفرض واللولو وبو معان والدبّاس والخلاص لدى متطوعين أصحاء ولدى مصابين بالسكري من النوع الثاني، فتراوحت القيم المقيسة لدى الأصحاء بين 46.3 و55.1، وهو ما يضع الأصناف الخمسة جميعًا في النطاق المنخفض[2].

والسبب في ذلك هو البنية. فسكر التمر يصل داخل نسيج ليفي لا في صورة محلول، والألياف تبطئ إفراغ المعدة والامتصاص. وهو التمييز نفسه الذي تعتمده منظمة الصحة العالمية حين تعرّف السكريات الحرة بأنّها السكريات المضافة إلى الطعام، إضافة إلى الموجودة طبيعيًا في العسل والشراب المركّز وعصائر الفاكهة، دون السكريات المحتواة داخل بنية الفاكهة الكاملة[3]. فالتمرة فاكهة كاملة، أمّا دبس التمر ومعجونه فليسا كذلك، لأنّ البنية إذا تفكّكت ذهبت معها الحماية.

ماذا حدث حين اختُبر لدى مرضى السكري

المؤشر الجلايسيمي قياس لوجبة واحدة في المختبر، والسؤال الأنفع هو ما يحدث على مدى شهور. ففي تجربة عشوائية، تناول 79 بالغًا مصابًا بالسكري من النوع الثاني إمّا 60 جرامًا من التمر أو 60 جرامًا من الزبيب بحمل جلايسيمي مكافئ يوميًا، موزّعة بين وجبة خفيفة في منتصف الصباح وأخرى في منتصف العصر، لمدة اثني عشر أسبوعًا. ولم تتحسّن قيمة السكر التراكمي في أي من المجموعتين، ولم يسوء الانضباط السكري في أي منهما[4].

وهي نتيجة متواضعة يجدر عرضها بتواضع: التمر ليس علاجًا، ولا شيء هنا يدعو إلى الإكثار منه. لكنّ ما تستبعده التجربة هو الافتراض الشائع بأنّ تمرة يومية تتنافى مع السكري؛ فهي لم تتنافَ معه بهذه الكمية، في تلك المجموعة، خلال تلك المدة. أمّا من يتناول الإنسولين أو أدوية السلفونيل يوريا فينبغي أن يسترشد بقراءاته الخاصة وبطبيبه، لأنّ جرعة الدواء تُضبط على الغذاء لا العكس.

كم تمرة تُعدّ معقولة

لا يوجد عدد رسمي للتمرات في اليوم، ومن يذكر عددًا قاطعًا فإنّما يخترعه. والعرض الأمين للمسألة يقوم على الطاقة والسياق: فإذا كانت تمرة المجدول قريبة من 67 سعرة[1]، فإنّ ثلاثًا منها تقع في نطاق وجبة خفيفة محترمة، ومعها ألياف وبوتاسيوم وبلا سكر مضاف، وهو أكثر ممّا يُقال عن معظم ما يُؤكل مع الشاي.

والفخّ أنّ التمر يُؤكل في سياق اجتماعي، من طبق مشترك، وأثناء الحديث غالبًا، فلا أحد يعدّ التمرة الرابعة. وإذا أردت معرفة حدّك أنت، فالطريقة الموثوقة الوحيدة أن تعدّها أسبوعًا كاملًا وترى كيف يبدو المجموع أمام هدفك، وتفاصيل بناء هذا الهدف مشروحة في دليل كيف تُحسب سعراتك اليومية. وتسجيلها أولًا بأوّل أيسر من إعادة تركيب اليوم بعد انتهائه، وهذه هي الحجّة كلّها لمتتبّع يعمل داخل تطبيق المحادثة المفتوح أمامك أصلًا.

التمر على الإفطار في رمضان

الإفطار على التمر عادة قديمة ومعقولة؛ فبعد صيام طويل يهدّئ شيء سريع الامتصاص مع السوائل ذلك الجوع الحادّ الذي يحكم العشر دقائق الأولى من المائدة. لكنّ الأدلة لا تسند أي ادّعاء يتجاوز ذلك: لا أنّ التمر يحرق الدهون، ولا أنّه ضروري، ولا أنّه دواء.

والأهمّ هو ما يأتي بعده. فالإفطار على تمرتين أو ثلاث وماء، مع وقفة قصيرة قبل الوجبة الأساسية، ينتهي غالبًا بطعام أقلّ ممّا لو بدأ بطبق من المقليات. أمّا السؤال الأوسع عمّا إذا كان رمضان يعين على إنقاص الوزن أم يعوقه فمبحوث على حدة في مقال صيام رمضان وإنقاص الوزن، فتغذية التمرة نفسها هي الجزء السهل من المسألة.

المصادر

  1. وزارة الزراعة الأمريكية، دائرة البحوث الزراعية. قاعدة بيانات FoodData Central: تمر المجدول، تمر دقلة نور. ↩
  2. Alkaabi JM, Al-Dabbagh B, Ahmad S, Saadi HF, Gariballa S, Ghazali MA. Glycemic indices of five varieties of dates in healthy and diabetic subjects. Nutrition Journal 2011;10:59. ↩
  3. منظمة الصحة العالمية. دليل إرشادي: تناول السكريات لدى البالغين والأطفال. جنيف، 2015. ↩
  4. Mohammed Hamza H, et al. Effect of date fruit consumption on the glycemic control of patients with type 2 diabetes: a randomized clinical trial. Nutrients 2022;14(17):3491. ↩

جرّبه على واتساب